ابن الجوزي

250

زاد المسير في علم التفسير

القهقري . قال ابن السائب : كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة ، آخذا بيد الحارث ابن هشام ، فرأى الملائكة فنكص على عقبيه ، فقال له الحارث : أفرارا من غير قتال ؟ فقال : ( إني أرى مالا ترون ) : فلما هزم المشركون ، قالوا : هزم الناس سراقة ، فبلغه ذلك ، فقال : والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم . قال قتادة : صدق عدو الله في قوله : ( إني أرى مالا ترون ) ، ذكر لنا أنه رأى جبريل ومعه الملائكة ، فعلم أنه لا يد له بالملائكة ، وكذب عدو الله في قوله : ( إني أخاف الله ) ، والله ما به مخافة الله ، ولكن علم أنه لا قوة له بهم . وقال عطاء : معناه : إني أخاف الله أن يهلكني . وقال ابن الأنباري : لما رأى نزول الملائكة ، خاف أن تكون القيامة ، فيكون انتهاء إنظاره ، فيقع به العذاب . ومعنى " نكص " رجع هاربا بخزي وذل . واختلفوا في قوله [ تعالى ] : ( والله شديد العقاب ) هل هو ابتداء كلام ، أو تمام الحكاية عن إبليس ، على قولين . إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ( 49 ) قوله تعالى : ( إذ يقول المنافقون ) قال ابن عباس : هم قوم من أهل المدينة من الأوس والخزرج . فأما الذين في قلوبهم مرض ، ففيهم ثلاثة أقوال : أحدها : انهم قوم كانوا قد تكلموا بالإسلام ، بمكة ، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر كرها ، فلما رأوا قلة المسلمين وكثرة المشركين ، ارتابوا ونافقوا ، وقالوا : ( غر هؤلاء دينهم ) ، قاله أبو صالح عن ابن عباس ، وإليه ذهب الشعبي في آخرين . وعدهم مقاتل ، فقال : كانوا سبعة : قيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة ، والحارث بن زمعة ، وعلي بن أمية بن خلف ، والعاص بن منبه بن الحجاج ، والوليد بن الوليد بن المغيرة ، والوليد بن عتبة بن ربيعة . والثاني : أنهم المشركون ، لما رأوا قلة المسلمين ، قالوا : " غر هؤلاء دينهم " رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس ، وبه قال الحسن . والثالث : أنهم قوم مرتابون ، لم يظهروا عداوة النبي صلى الله عليه وسلم ، ذكره الماوردي . والمرض هاهنا : الشك ، والإشارة بقوله [ تعالى ] : " هؤلاء " إلى المسلمين ، وإنما قالوا هذا ، لأنهم رأوا قلة المسلمين ، فلم يشكوا في أن قريشا تغلبهم . ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ( 50 )